مصطفى صادق الرافعي

55

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

وما دام ذلك قد تحقق في المعاني ، وكانت هي سبيلا إلى الاستدلال عليه ، فالاستدلال بالألفاظ ومسابقتها لتلك المعاني في الدقيق والجليل أيسر وأسهل . فلا مذهب لمن يفهم الكتاب الكريم ، ويقف على دفائن الحكمة فيه إلا أن يدفع به المذهب إلى إحدى اثنتين : إما أن يعتقد أنه أنزله الذي يعلم الغيب في السماوات والأرض ، فجاء كما يراه : أمرا من أمر اللّه ، وإما أن ينكر هذا ويعتقد أن القرآن الذي بعث به النبي الأمي في أولئك الأميين إنما وضع في زمن كانت فيه الأمة العربية غير نفسها ، وكانت بالغة ما شاء اللّه من علم وجهل ، وحضارة وبداوة ، وصلاح وفساد ؛ إذ يجد ما يصف كل ذلك على حقيقته الصريحة في القرآن « 1 » . وأيهما أنكر وأيهما أقرّ ، فإنه سبيل الحجة إليه ينحوها ، وهو يظن أنه يمحوها . ويكشفها ، ويحسب أنه يكسفها بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ . ومن المعلوم بالضرورة أن القرآن قد جمع أولئك العرب على لغة واحدة ، بما استجمع فيها من محاسن هذه الفطرة اللغوية التي جعلت أهل كل لسان يأخذون بها ولا يجدون لهم عنها مرغبا ، إذ يرونها كمالا لما في أنفسهم من أصول تلك الفطرة البيانية ، مما وقفوا على حد الرغبة فيه من مذاهبها دون أن يقفوا على سبيل القدرة عليه . ومن شأن الكمال المطلوب إذا هو اتفق في شيء من الأشياء - كهذا الكمال البياني في القرآن - أن يجمع عليه طالبيه مهما فرّقت بينهم الأسباب المتباينة ، والصفات المتعادية ؛ ولولا ذلك ما سهل أن تنقاد الجماعات في أصل تكوينها منذ البدء انقيادا يكون عنه هذا الأثر الوراثي في طاعة الأمم لشرائعها ؛ ثم لملوكها وأمرائها ، مع ما تسام الأمة لذلك في باب من أبواب الإمرة والحكم والتسلّط ، كما أن من شأن النقص إذا تمثل في شيء أن يزيد في تفريق من يفترقون عنه إذا توهموه ، حتى تتسع بينه وبينهم الغاية . وقد كان العرب على حال يتوهم فيها كلّ قبيل منهم أنه أسلم فطرة في اللغة وأبين مذهبا في البيان ، لأنهم لا يجدون من ذلك إلا أمثلة ترجع إلى الفطرة وتختلف باختلافها ، ولا يجدون المثال الفطري الكامل الذي تقاس إليه القدرة والعجز في ذلك قياسا لا يلتاث « 2 » ولا يختلف ، ولا يحطّ من صنف حقّه أن يزاد فيه ، ولا يزيد في صنف حقّه أن يحطّ منه .

--> ( 1 ) كتبنا هذا سنة 1914 م للميلاد ثم جاء ( طه حسين ) أستاذ الأدب في الجامعة المصرية فأخذ به في كتابه « في الشعر الجاهلي » الذي أخرجه سنة 1926 م واستدل بالقرآن على أن العرب كانوا أمة سياسة وحضارة الخ . . . وهو من جهله وإلحاده ، فانظر ردنا عليه في كتابنا « تحت راية القرآن » . ( 2 ) أي يلتبس ويختلط .